ابراهيم بن عمر البقاعي
219
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يفهم أن الرسالة حق ، وكلّا من المرسل والرسول محق بَشِيراً أي لمن أطاع وَنَذِيراً أي لمن عصى ، والعطف بالواو للدلالة على العراقة في كل من الصفتين . ولما كان مما يسهل القياد ويضعف الجماح التأسية ، قال مؤكدا دفعا لاستبعاد الإرسال إلى جميع الأمم : وَإِنْ أي والحال أنه ما مِنْ أُمَّةٍ من الأمم الماضية إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ * أرسلناه إليهم بشيرا ونذيرا إما بنفسه وإما بما أبقى في أعقابهم من شرائعه من أقواله وأفعاله ورسومه مع ما لهم من العقول الشاهدة بذلك ، والنذارة دالة على البشارة ، واقتصر عليها لأنها هي التي تقع بها التسلية لما فيها من المشقة ، ولأن من الأنبياء الماضين عليهم السّلام من تمحضت دعوته للنذارة لأنه لم ينتفع أحد ببشارته لعدم اتباع أحد منهم له . ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الأسف على إبائهم رحمة لهم وخوفا من أن يكون ذلك لتقصير في حاله ، وكان التقدير : فإن يصدقوك فهو حظهم في الدنيا والآخرة ، عطف عليه تأسية له وتسلية قوله : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ أي فتسل لأنه قد كَذَّبَ الَّذِينَ ولما كان المكذبون بعض الناس ، فلزم لذلك أن يكونوا في بعض الزمان ، دل على ذلك بالجار فقال : مِنْ قَبْلِهِمْ أي ما أتتهم به رسلهم عن اللّه . ولما كان قبول الرسل لما جاءهم عن اللّه ونفى التقصير في الإبلاغ عنهم دالّا على علو شأنهم وسفول أمر المكذبين من الأمم ، وكل ذلك دالّا على تمام قدرة اللّه تعالى في المفاوتة بين الخلق ، قال دالّا على أمري العلو والسفول استئنافا جوابا لمن كأنه قال : هل كان تكذيبهم عنادا أو لنقص في البيان : جاءَتْهُمْ أي الأمم الخالية رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي الآيات الواضحات في الدلالة على صحة الرسالة . ولما كان التصديق بالكتاب لازما لكل من بلغه أمره ، وكانت نسبة التكذيب إلى جميع الأمم أمرا معجبا ، كان الأمر حريا بالتأكيد لئلا يظن أنهم ما كذبوا إلا لعدم الكتاب ، فأكد بإعادة الجار فقال : وَبِالزُّبُرِ أي الأمور المكتوبة من الصحف ونحوها من السنن والأسرار وَبِالْكِتابِ أي جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل الْمُنِيرِ * أي الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن كان طريقك أوضح وأظهر ، وكتابك أنور وأبهر وأظهر وأشهر . ولما سلاه ، هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم فقال ، صارفا القول إلى الإفراد دفعا لكل لبس ، مشيرا بأداة التراخي إلى أن طول الإمهال ينبغي أن يكون سببا للإنابة لا للاغترار بظن الإهمال : ثُمَّ أَخَذْتُ أي بأنواع الأخذ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ستروا تلك الآيات المنيرة بعد طول صبر الرسل عليهم ودعائهم لهم . ولما كان أخذ